منتدي بحبك يا عـــــدرا


 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:10 am

أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢» التسلل إلي زهرة المدائن.. وساعات في مدينة الأشباح

١٨/٨/٢٠٠٨



أمل سرور


هي .. قرة العين ونن القلب!

هي الجرح والوجع، والحزن، والشجن، والبراءة والمرارة!!

هي المتحدية، المقاومة، الشامخة، الصابرة، الصامدة أمام همجيتهم..

أقصاها مقدس ثابت مهلل مكبر داع إلي الصلاة في مدينته..

علي دربها نزف المسيح دماءه، فطهرنا جميعا وعلي الجلجلة صلب جسده ففاضت روحه، وفي قيامتها كتب عمر بن الخطاب عهدته العمرية فتجلي عدله. من «باب العامود» دخلت، وفي ساحة الخليل مشيت، وبين «خان الزيت» و«حارة الشرف» و«سوق اللحامين» و «العطارين» تجولت، بالغضب الساطع في شوارعها العتيقة تسلحت وسمعت جياد الرهبة آتية قائلة لن يقفل باب مدينتنا، سنمر علي الأحزان وسنفتحها الأبواب، وحتما سنمحو آثار القدم الهمجية من أرضك يا قدس.

وكأنها النداهة.. يأتيني صوتها من بعيد ليخترق كل الأجواء فيشد حواسي كلها إلي هناك.. أنين جريح متوجع يناديني مهاتفا مستغيثاً، فلا أملك معه سوي أن ألبي النداء، الطريق إليها لا محالة مفروش بالألغام، ومكلل بالأشواق، لكن لا مفر ولا بديل.

أن أكون علي أرض فلسطين ولا أذهب إلي «يابوس» أو «أور سالم» أو «مدينة الله» - تلك هي أسماؤها القديمة - فكأنني لم أغادر من بيتي الكائن في المعادي. أن أذهب بقدمي إلي هناك ولا أقف تحت قبة صخرتها، ولا تتجول عيناي في شوارعها وبين أروقة معابدها وكنائسها ومساجدها القديمة فهذا أمر من رابع المستحيلات، لذلك كان القرار حاسماً وواضحاً بالذهاب إلي مدينة القدس، مهما كلفني الأمر!!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:11 am

الرحلة من قرية «الظاهرية»، التابعة لمدينة الخليل، حيث أقيم مع أهل زوجي إلي «مدينة الله»، ليست سهلة علي الإطلاق، بداية من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية التي تلاقيك في كل مكان، بدءاً من مدينة «دورا» و«حلحول»، مرورا بـ«رام الله» و«أبو ديس»، ووصولاً إلي «القدس»، والحق أنها كانت رحلة شديدة الخصوصية محفوفة بالمخاطر والمغامرات بالنسبة لي!!، رحلة كدت أفقد فيها زوجي تماما، إما باعتقاله في السجون الإسرائيلية أو برميه بالرصاص أمام عيني من قبل قوات الاحتلال الغاشمة!!

الحكاية بدأت عندما قرر ماجد أن يسافر معي إلي القدس بل يصلي في قلب المسجد الأقصي، ونتجول سويا في شوارع القدس، العتيقة، قد يبدو الأمر عاديا، وربما تقول إن هذا هو الطبيعي، فهو مواطن فلسطيني وليس لديه أي مشكلة في الدخول إلي أي مدينة من مدن وطنه المحتل، ولكن المسألة ليست بهذه السهولة التي تتصورها، ولا تخص زوجي فقط، بل تنطبق علي كل الفلسطينيين المقيمين خارج مدينة القدس، وتحديداً في بقية مدن الضفة الغربية.


وتتلخص المشكلة في أن إسرائيل أصدرت قانوناً ظالماً ووهمياً، مثلها تماماً، يمنع أهل الضفة الغربية بأكملهم من الدخول إلي «القدس»، وبالتالي أصبحت مدينة الله تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ولا يدخلها إلا من معه هوية إسرائيلية فقط، ومن يحاول الدخول عنوة، يُعد مخالفاً للقانون والسجن أمامه والتعذيب من خلفه!!

لذلك جن جنوني عندما فاجأني «ماجد» بقراره السفر معي إلي القدس، وباءت كل محاولاتي بإقناعه بالعدول عن هذه الفكرة المجنونة بالفشل، ولم أملك سوي الصمت أمام عباراته التي قالها بتحد: «هادخل وهاصلي في الأقصي غصب عنهم، و(اللفة) هي كلمة السر»!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:11 am

بكمّ من القلق والذهول والترقب والتوجس والرهبة والخوف تحركت بنا السيارة.. لم يكن يهون علي الطريق سوي جمال تلك الجبال وخضرتها ورائحة هوائها، الذي لم أجد له مثيلاً في العالم..!! عند منطقة «أبوديس» استبدلنا سيارتنا الأجرة بأخري، تلك المنطقة التي تستطيع من خلالها أن تري منطقة القدس، بينك وبينها هذا الجدار العازل، الذي عزل مدينة الله عن بقية أصحابها، قلبي يخفق ونحن نقترب من معبر «الزعيم» وأنا أري البوابات الحديدية، وقد وقف جنود من الاحتلال مدججين بالسلاح، والعلم الإسرائيلي يرفرف فوقهم.

وقف الأتوبيس عند أول المعبر، وإذا بجندي إسرائيلي يطالع الراكبين، مطالباً، بصوت أجش وبلغة عربية ضعيفة، «الهويات»، كتمت أنفاسي وحاولت أن أنظم ضربات قلبي، عندما طلب الهوية من «ماجد» الذي فتح له جواز سفره علي التأشيرة الأمريكية.. قال له الإسرائيلي: إيه ده؟!


قال ماجد: تأشيرة أمريكا.. أنا لست مقيماً في البلد وأريد أن أزور القدس.

قال له مهدداً بصوت عال: انزل.. انزل.. انزل..

قالها ثلاث مرات فنزلنا سوياً

لا أستطيع أن أصف الدقائق الخمس التي انتظرنا فيها الجندي الإسرائيلي عند بوابة المعبر حتي ينتهي من هويات الراكبين، وهواجس حاصرتني وشلت تفكيري.. قلقي علي زوجي وفضولي الصحفي كادا يقتلانني!!

لم أفق إلا علي صوت الجندي الإسرائيلي قائلاً، بلهجة من «الشخط والنطر» في وجه زوجي: إنت واقف ليه؟.. يلاَّ امشي، امشي.. روخ، روخ..

هنا فقط تدخلت.. ولأول مرة في حياتي أتكلم مع إسرائيلي قلت له: أنا صحفية وهو زوجي و...

لم أكمل كلامي إلا وقال لي: أنت تدخل مفيش مشاكل لكن هو ممنوع never.. nev

er، يعني أبداً.. أبداً لن يدخل.. هو فلسطيني.

قالها بحرقة وكأنها وصمة عار.. وقبل أن نفتح أفواهنا لنتكلم فوجئنا به يسحب الرشاش ويوجهه تجاه ماجد، محاولاً أن يدفعه به قائلاً.. «روخ.. امشي .. امشي»، وإذا بمجندة تخرج فجأة من بوابة المعبر، وتشهر السلاح في وجه زوجي.

علي الفور نظرت إلي وجه زوجي وقد احتقن بالدماء وشرر يتطاير من عينيه.. تداركت الموقف وسحبت زوجي من يديه قائلة: «يلاّ يا ماجد وحياة ابننا، أنا خلاص مش عاوزة أدخل القدس».

تركنا المعبر.. وحالة من الصمت سادت بيننا، في هذه اللحظة فقط لم أفكر في إحساسه كزوجي، ولكن كمواطن فلسطيني منع من دخول مدينة في وطنه دون أي وجه حق.. كنت أفكر في حالة الإذلال والهوان التي يعاني منها كل أبناء الشعب.

صوت ماجد عالياً ومهللاً في الشارع كان كفيلاً بأن يجعلني أفيق: «مهما يعملوا ومهما يعزلوا ومهما يقتلوا ويدمروا ويمنعوا.. هاندخل وهانعيش وهاننتصر».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:12 am

بالفعل تحقق الحلم.. ورغم البوابات والمعابر ونقاط التفتيش والأسلحة المشهرة، ورغم قوة الجدار العازل الذي يتحدثون عنه ليلاً ونهاراً..

دخلنا مدينة القدس..!!

ن طريق «اللفة»، كان في استطاعتي أن أدخل بالتأشيرة المطبوعة علي جواز سفري بكل سهولة، ودون أي مخاطر، ولكني مشيت ما يقرب من ١٢ كيلو متراً عبر الجبال والمنحنيات، ووصلنا أخيراً إلي مدينة القدس.. ولم نكن وحدنا في الطريق الوعر، بل كان معنا المئات من الفلسطينيين من أهل الضفة، سرنا جميعاً في طريق واحد.. ولكننا وصلنا في النهاية إلي.. مدينة الله!!


آهة موجوعة من القلب.. تنهيدة مريرة ساخنة من بين الضلوع وابتسامة مكسورة غارقة في الشجن والدموع!!

تلك كانت حالتي ما إن وقعت عيناي من شباك السيارة علي القبة الذهبية بجلالها وشموخها وسط تلال من بيوت البلدة القديمة، صدقت فيروز.. بصوتها الدافئ وإحساسها العبقري، عندما غنت لها قائلة: يا بهية المساكن.. يا زهرة المدائن!!

عند «باب العامود»، أشهر أبوابها السبعة، كان الكاتب الصحفي والمدير العام للمؤتمر الوطني الشعبي بالقدس، والصديق القديم الذي طالما حدثني عن جمال وعبقرية مدينته «يونس العموري» في انتظارنا.. استقبلني قائلاً:

أخيراً أنت علي أرض القدس.. من أين تفضلين أن نبدأ..؟!

قلت له: من عند الناس في شوارعها العتيقة..

إذاً فلتكن بدايتنا من عند البلدة القديمة.. ما إن تطأ قدماك أرض البلدة القديمة، إلا وتشعر برائحة غريبة تدخل إلي صدرك، فلا تملك سوي أن تفتح رئتيك لآخرهما لها..!!

ربما تكون رائحة «البلاط القديم» للشوارع الذي يعود لقرون وقرون.. وربما تكون رائحة تلك الأسوار العتيقة التي تشعر بأنها ستتكلم معك لتحكي لك قصصاً وأساطير من التاريخ.. وربما تكون رائحة شوارعها وحواريها الضيقة المفروشة التي شهدت أعنف الصراعات علي مر الأزمان.

وربما أيضاً تكون رائحة دماء الآلاف من شهداء هذا الشعب الذين تناثرت أشلاؤهم دفاعاً عن تلك الأرض، لكل شيء رائحة ومذاق، والأغرب أن لهذه الرائحة لغة لا يستطيع أن يفهمها ويدركها ويشعر بها سوي من يتجول بقدميه في البلدة القديمة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:12 am

حالة من السكون والصمت والهدوء القاتل سيطرت علي البلدة القديمة، أسواقها مليئة بالمحال التجارية والمطاعم والمقاهي ولكنها خالية من البشر.

مالي أشعر بأنني في مدينة أشباح؟!!، هكذا سألت «يونس العموري» فاجأني بلا تردد: هذا هو وصف دقيق للحالة التي تعيشها مدينة القدس خلال هذه الفترة.. منذ سنوات كنت لا تستطعين أن تضعي قدميك في هذه المنطقة.. كانت لدينا حياة.. الآن اختلفت الظروف بعد القانون الإسرائيلي الخاص بضم القدس للسيادة الإسرائيلية وتوحيدها تحت ما سمي «القدس الموحدة»، وما تلا ذلك من قانون «القدس عاصمة إسرائيل الأبدية»، حتي وصلوا إلي عزل القدس عن بقية مدن الضفة الغربية ومنع الدخول إلي المدينة المقدسة، هذا كله انعكس بشكل سلبي وأصبحت القدس، كما تشاهدينها الآن، «مدينة الأشباح»!!


لفتت نظري سيدة عجوز تفترش الأرض لتبيع بعضاً من «الملفوف»، أي ورق العنب وأعواد الملوخية الخضراء.. اقتربت منها وسألتها: «يا أمي أنت من القدس..؟».

فاجأتني حينما قالت: أنا من حلحول،

يعني من الضفة.. طب بتدخلي إزاي؟!

تركتها تتكلم وتحكي لتسمعوا معي:

عن طريق «اللفة» عند المعبر ما بيدخلونا وبيقبضوا علينا وبيبهدلونا، الله ياخدهم من هون.. لكن هون أرضنا وبلدنا، أنا ابني أسير عندهم محكوم عليه ٥ مؤبدات يعني سنين والله ما بعرف يامه كام عددهم، والثاني استشهد في الانتفاضة الثانية، والثالث هارب في الجبال مطارد منهم، وزوجي مريض وعاوزين مصاري علشان علاجه، الرزق ضاق علينا، ما عندي حل غير التهريب واللفة، بس أقولك نفسي أصلي في الأقصي، لكن ده ما هو ممكن لأنهم بيشوفوا الهويات عند بوابات الأقصي ولو مسكوني هايحبسوني.

بس بيكفي إني قاعدة هون باسمع الأذان في الأقصي وبادعي عليهم لا يعمر لهم بيت، الله ياخدهم.. الله ينصرنا، وحسبي الله ونعم الوكيل..!!

تركتها وأنا أردد: آمين.

«هذا هو بيت شارون».. أصابتني عبارة «يونس» في مقتل فالتزمت الصمت، لأسمع وأري بعيني.. منزل قديم وأثري رائع وضخم، في منطقة باب الوادي في البلدة القديمة.. عيني عينك.. وعلي عينك يا تاجر كما يقولون.. وفي وسطه لافتة ضخمة مستفزة تثير اشمئزازك، بل ربما تصيبك بالغثيان وقد علق العلم الإسرائيلي.

في الثمانينيات - والكلام علي لسان «يونس» - جاء شارون بقوات ضخمة من الجيش الإسرائيلي، وطردوا ساكني هذا المنزل عنوة، ليستولي عليه «شارون» أملاً في أن يقيم فيه، وقامت انتفاضة مخيفة من الشباب والعجائز والأطفال والسيدات ونشبت معارك ساخنة وراح الآلاف من الشهداء، ولم يسكن فيه شارون يوماً واحداً ولكن الجيش الإسرائيلي استولي عليه بعد أن وضعه تحت الحراسة المشددة ٢٤ ساعة!!
يبدو أن حالة الغيظ والاستنفار التي أصابتني بعد أن غادرت البيت الذي استولي عليه شارون قد بدأت تزداد لحظة تلو الأخري، فما إن دخلت سوق «خان الزين» و«العطارين» و«اللحامين» ومشيت بطريق «قناطر خضير» إلا وبدأت عيناي تصطدم بهم وجهاً لوجه، ها هم يسيرون بجانبي في وضح النهار، في شوارع البلدة القديمة! ها هم جنود جيش الاحتلال يسيرون بثقة وافتخار، ولا شيء يعطيهم تلك الثقة سوي الأسلحة التي يحتضنونها بين ضلوعهم، فهي الحامي الأقوي والوحيد لديهم، ولو تخيلتهم من دونه ستري الخوف والجبن والرعب في عيونهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:13 am

وها هم المستوطنون اليهود المتطرفون والمتعصبون، ها هم بقبعاتهم السوداء، ولحاهم الطويلة وزيهم الأسود وضفائر شعرهم التي تصل إلي نصف صدورهم، أراهم بعيني وجهاً لوجه وليس علي شاشات الفضائيات، عن حق وبجد وبصراحة إحساس مختلف.. معه تشعر بجبروت الظلم وقسوة القهر وحرقة المهانة، إحساسك لما تشوف الراجل اللي اغتصب بنتك وفلذة كبدك، وزهرة عمرك وأفقدها أعز ما تملك، وهو غشاء البكارة، بتشوفه جنبك لكن مش قادر تعمل له حاجة!!

الشيء الوحيد الذي أثلج صدري، وهدأني كثيراً هو صوت الأذان مكبراً آتياً من المسجد الأقصي ومسجد عمر بن الخطاب، يعانقه صوت أجراس كنيسة القيامة، ولأن ما يسعدني يتعسهم بل يحزنهم، فقد تسربت لي سعادة طفولية عندما قال لي مرافقي «يونس»، ونحن نلتقط الأنفاس علي أحد المقاهي وسط البلدة القديمة، إن الأذان وصوت الأجراس هو أكثر شيء يزعج الإسرائيليين في مدينة الله.. تلك هي حياتنا في القدس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:14 am

جرائم التهويد وكوارث «الأســرلة»

مخطط صهيوني محكم من أجل تغيير ملامح وسمات عربية القدس وجعلها يهودية، عنكبوت إسرائيلي ألقي بشباكه حول مدينة الله المقدسة، من أجل محو كل ما هو عربي وتحويله إلي إسرائيلي، بدءاً بالعلم، ومرورا بالشوارع والحواري وهدم المنازل والمساجد وتشريد الآلاف المؤلفة من أبناء القدس وحتي سرطان الاستيطان الذي راح ينهش في الجسد الفلسطيني، حكايات وتفاصيل حتماً ستصيبك بحالة من الذهول تعرفها عبر السطور المقبلة.


حكاية التهويد بدأت منذ عام ١٨٤٩ حينما حصل اليهودي «مونتفيوري» علي فرمان بريطاني من السلطات العثمانية بشراء أول قطعة أرض في القدس خاصة، وفي فلسطين عامة، ليقيم عليها أول حي يهودي، وعقب نكبة ١٩٤٨ احتلت إسرائيل ٨٤% من المساحة الكلية لمدينة القدس لتبقي البلدة القديمة وحدها بأيدي العرب بعد أن دمرت أحياء عربية كاملة وهجَّرت سكان القدس الفلسطينيين ليحل محلهم المهاجرون اليهود، ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات تهويد القدس وتغيير ملامحها تتم علي قدم وساق.

إلي أن جاءت نكسة ٦٧ التي تمكن الإسرائيليون بعدها من إحكام قبضتهم علي الجزء المتبقي من المدينة، فاحتلت القدس كاملة، ولدي وصول «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلي وبرفقته زعماء صهاينة إلي حائط البراق الشريف الذي استولوا عليه ليصبح حائط المبكي لديهم، أعلن بيانه الصهيوني الأول من هناك قائلاً: «لقد عدنا إلي الهيكل المقدس ولن نبرحه أبدا مرة أخري، اليوم هو يوم خيبر».

وفي ٨ يونيو ١٩٨٧ وقف «شلومو جوريون» حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي علي رأس شلة من الجيش بالقرب من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف، وأقام شعائر الصلاة اليهودية معلناً في ختامها أن «حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود، ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية»!!، وبعد أقل من أسبوع علي وقوع نكسة ٦٧ قامت قوات الاحتلال بهدم «١٣٥» منزلاً في حي المغاربة الذي كان يسكنه «٦٥٠» شخصاً، وهدم مصنع بلاستيك بالقرب من حي الأرمن، كان يعمل فيه «٢٠٠» عامل وعاملة، بالإضافة إلي هدم ما يزيد علي «٢٠٠» منزل ومخزن في مناطق مختلفة، وتشريد أكثر من «٧٥٠٠» شخص.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:15 am

ومنذ هذه الفترة بدأت إسرائيل في العمل علي تحديد شبكات المياه والمجاري ومد شبكة الباصات، ورفعت أسماء الشوارع واللافتات بثلاث لغات، وما قد يثير عجبك هو العرض الذي عرضته إحدي الجماعات الماسونية في أمريكا، وأغلبهم من اليهود، علي الهيئة الإسلامية في القدس ببناء الهيكل علي أرض الحرم القدسي الشريف مقابل «١٠٠» مليون دولار أمريكي.

والحقيقة.. أن المتأمل لكل ما ذكرته يستطيع أن يدرك تماما أن السلطات عملت علي تهويد القدس منذ أن حطت أقدامها علي الأرض، لأنهم ببساطة يرون أن هذه المدينة هي العاصمة العقائدية والفكرية والحضارية لهم، بل يحلمون بإعادة بناء الهيكل، وعلينا أن نعلم أن المخطط الصهيوني لتهويد القدس قد نجح في عمل اختلال للميزان السكاني ليصبح ٣:١ لصالح اليهود الذين استوطنوا القدس بكثافة عالية.


والحديث عن التهويد لا ينتهي خاصة عندما تعلم أن إجراءاتهم التعسفية وصلت إلي الاستيلاء علي أحد أهم وأكبر المستشفيات العربية داخل القدس، وهو مستشفي «المقاصد» وحولوه إلي وزارة للشرطة الإسرائيلية، كما قاموا بإنشاء مبني المخابرات علي أنقاض مستشفي القدس العام.

أما بالنسبة للتعليم فهو الكارثة والطامة الكبري، حيث قامت إسرائيل بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية الفلسطيني لتحل محلها المناهج الإسرائيلية، بالإضافة إلي الاستيلاء علي متحف الآثار الفلسطيني، وإطلاق الأسماء اليهودية علي الشوارع والساحات في القدس العربية.

ولم يسلم أيضاً القطاع الاقتصادي الفلسطيني من أيديهم، خاصة عندما أغلقوا البنوك العربية في القدس القديمة، وصادروا ودائعها وحولوا خمسة منها إلي بنوك إسرائيلية واستبدال العملة الأردنية بالإسرائيلية، والتضييق الدائم والمستمر علي سكان القدس وإكراههم علي شراء المنتجات الإسرائيلية، وفرض الضرائب بمختلف أنواعها عليهم، ومنع إدخال أي منتج زراعي أو صناعي عربي إلي القدس إلا برسوم جمركية ضخمة، والاستيلاء علي شركة كهرباء القدس وتصفيتها باعتبارها مرفقاً اقتصادياً عربياً، أما عن وسائل الإرهاب والبطش لإخلاء القدس من سكانها العرب الأصليين فهي مريرة وكثيرة، إلا أنها لم تنل أبداً من أبناء المدينة المقدسة الذين لا يملكون سوي الصمود والمقاومة.

بينما كان مرافقي «يونس» يحكي ويتكلم عن التهويد وتغيير معالم القدس تماماً، رأيت مجموعة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي وقد ارتدوا زيهم المعهود وتدججوا بأسلحتهم، رأيتهم يسيرون في دفعات منظمة في شوارع البلدة الضيقة، انتفضنا من علي المقهي الصغير الذي كنا نجلس عليه وطلبنا من «يونس» أن نعرف وجهتهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
بنت أبونا يسي

avatar

عدد الرسائل : 367
تاريخ التسجيل : 13/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»   الإثنين أغسطس 18, 2008 11:16 am

سرت وراءهم فوجدتني أمرّ من «خان إفرايم» و«سوق العطارين» لأدخل معهم شارعاً مختلفاً تماماً عن كل شوارع القدس القديمة، فالأعلام الإسرائيلية مرفوعة علي كل المحلات والجدران بشكل ملحوظ بل لافت للنظر، وأشكال ونوعية البضائع مختلفة تماماً، جاءني صوت «يونس» مكسورا قائلاً: تلك كانت حارة الشرف، ولكنهم غيروا كل ملامحها العربية وطردوا سكانها العرب، بل قتلوا العديد من الذين رفضوا الخروج من بيوتهم، علي الرغم من أن اليونسكو أقرت أن مدينة القدس مصنفة في قائمة الآثار العالمية التي يجب حمايته، وبالتالي ممنوع تغيير معالمها القديمة، إلا أن هذه القوانين تسري علي كل دول العالم فيما عدا إسرائيل كالعادة!!

شعرت أن الجنود الإسرائيليين أتوا لهذا المكان خصيصاً في جولة سياحية خاصة وقد سار أمامهم شخص أخذ يشرح لهم أجواء المكان، وقبل أن أسأل مرافقي قال: إن هذا المشهد الذي ترينه هو نوع من التدريبات، فهم يحضرون إلي هذه المنطقة ويزرعون بداخلهم إحساساً بأن هذه ممتلكاتهم، وأن القدس ستكون لهم عاجلاً أو آجلاً، ولم يقتصر الأمر علي الجنود بل وصل إلي حد الأطفال فها هي مدرسة تأخذ الصغار من اليهود في رحلة مدرسية تعليمية دينية، وتقف تشرح لهم أمام مسجد لاحظت أنه مغلق تماماً!!


كانت تتكلم العبرية فطلبت من مرافقي أن يترجم لي جزءاً مما قالت، فكانت كلماتها أن «حارة اليهود هي نموذج مصغر مما ستكون عليه مدينة القدس خلال سنوات، وأن هذه المنطقة انتزعناها من المجرمين والإرهابيين الذين اغتصبوا أرضنا ووطننا، ونحن في حرب الآن، ولن ينتصر فيها سواكم، أنتم الجيل المنتظر والشعب المختار الذي اصطفاكم الإله علي كل شعوب الأرض»!!

هكذا يزرعون في أطفالهم الوهم والزيف وتزوير الحقائق، وهكذا أغلقوا المسجد وسيحولونه عن قريب إلي كنيس يهودي ليقيموا فيه صلاتهم وشعائرهم، أما عن السياح من كل الجنسيات الذين يأتون إلي هذه المنطقة فهم يجرون لهم غسيل مخ من خلال كهنتهم الذين يتوسطون حارة الشرف، والذين رأيت واحداً منهم: رجل سمين يرتدي زي حراس الهيكل، وهو التاج والجلباب الأبيض العاري الذي يظهر كتفيه، وراح يشرح للسياح كيف نجح اليهود في إقامة دولتهم التي أصبحت القدس عاصمتها، وكيف قدموا أرواحهم في سبيل ذلك منذ عام ١٩٤٨ مرورا بـ ١٩٦٧ وحتي الآن!

لم استطع أن أقف أكثر من ذلك، شعرت بالاختناق والغيظ والاستفزاز، فقررت أن أغادر المنطقة علي الفور، في الطريق للخروج من البلدة القديمة استوقفني مشهد في غاية الغرابة، ما يقرب من ١٠ جنود إسرائيليين يقفون أمام باب صغير لأحد المنازل في نهاية حارة الشرف المسماة زورا «حارة اليهود»، وقفت أتأمل، فطلب مني مرافقي أن أتحرك بسرعة وإلا سيحدث ما لا تحمد عقباه!!، سألت بسذاجة.. لماذا؟!

أجابني بأنه منزل صغير لعبدالله الإسكافي، وهذا ليس اسم عائلته بل هو يعمل بالفعل إسكافيا، يقيم في هذا المنزل الصغير الذي يتكون من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ مع زوجته العجوز، أما أولاده الأربعة فقد استشهدوا جميعاً في أحداث الانتفاضتين الأولي والثانية، الصهاينة يريدون إخراجه من المنزل بأي شكل، فقط لأنه العربي الوحيد وسط كل تلك الغابة من المستوطنين اليهود.


لكنهم فشلوا، وعرضوا عليه مبالغ هائلة كان آخرها ٢٠ مليون دولار ليبيع منزله الصغير ويخرج، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وهم لا يستطيعون قتله لأنه أرسل رسائل لكل منظمات حقوق الإنسان العالمية، وحتي الإسرائيلية، وكل ما يستطيعون فعله هو محاصرته، لا يخرج أبداً وكأنه تحت الإقامة الجبرية، وزوجته مسموح لها بالخروج نصف ساعة يومياً لشراء احتياجاتهم من الطعام والشراب!!

ساد الصمت بيننا، وما أن انتهي «يونس» من حديثه لم أملك سواه، ولم أملك سوي دموعي التي راحت تنساب في شوارع القدس القديمة، هذا الإسكافي ليس الوحيد بل مثله مثل أبناء هذا الشعب لا يملكون سوي الصمود والمقاومة والحجارة مقابل الظلم والتعسف والرصاص، أدرت ظهري إلي البلدة القديمة متجهة إلي الخروج من باب الصمود حيث أتيت، ودعتني الشوارع والجدران القديمة بصوت فيروز الذي لا يخلو محل منه قوياً مهللاً.. «الغضب الساطع آتٍ.. بجياد الرهبة آتٍ.. وسيهزم وجه القوة.. البيت لنا والقدس لنا.. وبأيدينا سنعيد بهاء القدس.. بأيدينا للقدس سلام».
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢»
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الموسوعة الإسلامية : المجلد ٢

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي بحبك يا عـــــدرا :: †+† قســــــم الأخبـــــــار †+† :: اخبـــــار من هنــــــا وهنــــــاك-
انتقل الى: